الله نور السماوات والأرض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الله نور السماوات والأرض

مُساهمة  Admin في الإثنين يونيو 20, 2011 6:10 am

أيها الإخوة المؤمنون ،،
[اللَّهُ نُورُالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] .
فالنور هو الضوء الذي يظهر بذاته ، ويظهر غيره ، وتعريف النور : هو الشيء الظاهر بذاته ، والأشياء كلها التي أمامنا لا تظهر بذاتها ، لا تظهر إلا إذا ألقي عليها ضوء ، فإذا انعدم هذا الضوء لم تظهر بذاتها ، لكن الضوء شيء يظهر بذاته ، ويظهر غيره ، هذا هو المعنى الذي يعرفه عامة الناس من كلمة النور ، ما معنى دخول إشعاعات تنتج من مادة تسير بسرعة هائلة تزيد عن 300 كم في الثانية ؟ هذا المعنى يضاف ليشكل المعنى الحقيقي للنور ، لكن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية يقول : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، يعني هو الذي أوجد السماوات والأرض ، وهو الذي نوَّر السماوات والأرض ، أوجدها ونورها ، الشيء الذي إذا ألقيت عليه نورا ماديا يبدو للبصر ، لكن هذا الشيء ليس عين نور ، لكن نور الله عز وجل هو الذي أظهر الكون ، فهذا الشيء الذي ظهر بنور الله هو السماوات والأرض ظهرت بنوره ، ونوَّرها الله بنوره ، هذا معنى .
عَنِ سَمِعَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ : ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ... )) .[البخاري(1069) ، مسلم(769)]
وقد سئل عليه الصلاة والسلام حينما كان في معراجه في السماء سئل هل رأيت ربك فقال: أنى أراه لقد رأيت نورا : ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[ .
لابد من حديث تفصيلي عن معنى قوله تعالى : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، السماوات والأرض في القرآن الكريم تعني الكون ، والله سبحانه وتعالى نور السماوات والأرض ، يعني بنوره ظهرت هذه السماوات والأرض ، وبنوره نُوِّرت هذه السماوات والأرض ، ولكلمة نور معان دقيقة ؛ من هذه المعاني : يعني هذا الكون فيه شمس ، وفيه قمر ، وفيه شموس ، وفيه أقمار ، من صمم إضاءة السماوات والأرض ؟ كم من أموال تحتاج لنضيء الظلام ، كم من الليرات ندفعها في الشهر لنضيء غرفتين أو ثلاث غرف ؟ هذه الأرض بما فيها ، وما عليها كيف أنها بنور الشمس تنعم بالضوء العميم ؟ هذا معنى أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض ، ونوَّرها بنور مادي .
ومعنى آخر ... ربنا عز وجل خلق السماوات والأرض : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ]سورة الأنعام : من الآية 1)
وفي آية أخرى : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا].(سورة الكهف : الآية 1)
فكان الكتاب ينير لنا طريق الحياة ، هذا الكتاب ينير لنا طريق المعرفة ؛ معرفة الله عز وجل ، هذا الكتاب ينير لنا طريق المنهج الصحيح الذي نحتاجه في الحياة الدنيا كي نسعد بها ، إذاً : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، خلق الكون ، وخلق لك ما ينير لك حقيقة الكون ، أحيانا قد تكون حقيقة الشيء مخالفة لظاهره ، فالأفعى لها ملمس ناعم ، ولها ألوان متناسقة ، ولكن في فمها السم الزعاف ، فإما أن تنظر إلى الأفعى رؤية ظاهرية ، فتراها انسيابية الخطوط ، ناعمة الملمس ، ولكنك تعلم حقيقتها بأن في فمها السم الزعاف ، فالشيء في الحياة له صورة ، وله حقيقة ، قد تبدو لك صورة الشيء جميلة جدا ، الذين يغرقون أنفسهم في الشهوات هؤلاء يمتعون حياتهم بمتع حسية ، قد يعتقدون أن الشيء الذي يفعلونه شيء عظيم ، وشيء ممتع ، وشيء فيه بهجة ، ولكنهم حين يعلمون حقيقة هذا الشيء ، وكيف أن في هذا الشيء سما يسمم حياتهم كلها ، لو علم الإنسان حقيقة الشيء لما شقي في الدنيا وفي الآخرة ، الإنسان إذا افتقد إلى نور يريه الخير خيرا والشر شرا ، يريه الحق حقا والباطل باطلا ، الإنسان حينما يتحرك في الحياة ما الذي يحركه ؟ رؤية ‍‍، فإما أن يكون على نور ، وإما أن يكون في ظلام ، فالذي يتخذ قرارا أحمق مثلا لتطليق زوجته لسبب تافه ، فهذا أعمى ، لو أنه مستنير بنور الله عز وجل لما اتخذ هذا القرار ، سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال قال :"إني أخاف الله رب العالمين" ، وهناك آلاف وآلاف الأشخاص الذين تسنح لهم فرص كالفرصة التي عرضت لسيدنا يوسف ، فلماذا هؤلاء يقبلون على الشهوة ، وهذا النبي العظيم قال : [مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ] .[يوسف : من الآية 23]
، سؤال دقيق ! لماذا تعرض على إنسان مبلغا حراما فيقول : معاذ الله ، ولماذا يأخذه إنسان آخر ؟ لماذا تمشي في الطريق امرأة تلفت النظر ؟ لماذا ينظر إليها رجل ؟ ولماذا يغض البصر عنها رجل ؟ ما الذي جعل هذا ينظر ، وهذا يغض الطرف ؟ ما الذي يجعل هذا يأكل مالاً حراماً ، وهذا يمتنع عنه ؟ ما الذي جعل هذا يقبل على طاعة ، وهذا يقبل على معصية ؟ هؤلاء الناس متفاوتون في مواقفهم ، ومتفاوتون في سلوكهم ، لماذا يقدم هذا ، ويحجم ذاك ؟ لماذا يأخذ هذا ، ويرفض ذاك ؟ لماذا يعطي هذا ، ويمنع ذاك ؟ ما الذي يفسر هذه الظواهر ؟ يفسرها أن الإنسان المستنير ينظر بنور الله ، فالمستنير يرى أن معصية الله مهلكة في الدنيا والآخرة ، لذلك أي موقف فيه معصية لله يقول : [مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ]، مستنير ، والذي يقبل على المعصية أعمى : [فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] .(سورة الحج : من الآية 46) .
هذا الموضوع دقيق جدا ، ما الذي يضبط حركة الأشخاص ؟ رؤية ، من فمن يملك رؤية صحيحة يملك الموقف الصحيح ، ويملك التصرفالصحيح ، ويملك الموقف الأخلاقي ، ويملك الحق ، ويملك الإنصاف ، ويملك السلوك ، يملك السعادة ، أساس كل هذا رؤية صحيحة ، والذي يرتكب الخطأ ، ويأكل المال الحرام ، ويعتدي على أموال الناس ، ويعتدي على أعراضهم ، ويظن هذا ذكاء ما الذي حمله على أن يفعل هذا ؟ إنها رؤية منحرفة ، أو عمى غلف بصيرته ، أو ظلام يعيش فيه ، فالقضية خطيرة جداً ، حينما يقول الله عز وجل : إذاً : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، أي لا نور إلا نوره ، فإما أن تكون مهتديا بهذا النور ، وإما أنت في عمىً .قولاً واحداً ، لا يوجد في الإسلام حل وسط ، مصدر النور هو الله عز وجل ، مصدر الحقيقة هو الله ، مصدر المعرفة هو الله ، المنهج الصحيح من عند الله ،فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَالصَّلاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ)) .[أبو داود(4903) ، ابن ماجه(4210) ، واللفظ له]وإما أن يكون الإنسان منقطعا عن الله عز وجل ، وبهذا الانقطاع هو في عمىً ، لذلك آيات كثيرة تتحدث عن هذا الموضوع يقول تعالى : [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ].(سورة البقرة : من الآية 257) فبعلاقاته مع زوجته في ظلمات ، يقسو عليها ، يحملها ما لا تطيق ، أو يطلق لها العنان ، أو يتجاوز حده معها ، أو يسمح لها أن تتجاوز حدها معه ، هذه العلاقة مع الزوجة علاقة أساسها انحراف الرؤية ، أو الظلمة التي يعيشها المقطوع عن الله عز وجل ، العلاقة بالأولاد ، العلاقة بالجيران ، العلاقة مع الناس ، العلاقة مع من هم فوقك ، العلاقة مع من هم دونك ، كل علاقات الإنسان ، وكل حركاته اليومية ما الذي يحكمها ؟ إما نور ساطع يقذف في القلب فيريه الخير خيرا والشر شرا ، وإما ظلام يلفح هذه النفس فإذا هي تخبط خبط عشواء .
لذلك : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، هو المصدر ، فإذا كنت على صلة به كنت على نور ، تعرف ما ينبغي أن تفعل ، وما لا ينبغي ، ما يجوز أن تفعل ، وما لا يجوز، ما هو صالح ، وما هو طالح ، ما هو خير ، وما هو شر ، ما هو حق ، وما هو باطل ، ما هو مستحسن ، وما هو مستقبح ، ما يليق ، وما لا يليق ، ما ينبغي ، وما لا ينبغي ، هذا كله أساسه النور.لذلك : ]اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ[، كان في أثناء صلاته على شيء من النور ، فلما ترك الصلاة أصبح في عمى ، [فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ]، ويقول ربنا سبحانه وتعالى : [قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ] .(سورة المائدة : من الآية 15)
تصور أنك تقود مركبة ، والطريق ضيقة ، وفيها منعطفات عديدة ، وفيها انحدار شديد ، ومكان هبوط حاد ، وعلى جانبي الطريق وديان سحيقة ، هل يمكن أن تسلم من دون ضوء شديد ينير لك الطريق ؟ هذا المثل المادي ؛ سائق المركبة إذا كان الطريق ضيقا ، والظلام دامسا ، والمنعطفات شديدة ، والانحراف شديد ، والصعود حاد ، وعلى جانب الطريق وديان سحيقة ، هل يعقل لهذا السائق أن ينجو من حادث مروع دون ضوء شديد ينير له الطريق ؟ هذا المثل المادي طبقه على الحياة ، في علاقتك مع أهلك ، في علاقتك مع جيرانك ، في كسب المال ، في إنفاق المال ، أنت في موقف معرض فيه لشهوة ضاغطة ، أنت في موقف معرض فيه إغراء شديد ، معرض فيه لضغط شديد ، ماذا تفعل ؟ ما المواقف التي يجب أن تقفها ؟ تحتاج إلى نور ، تحتاج إلى بصيرة ، تحتاج إلى من يهديك السبيل ، لذلك : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ].
آية ثالثة : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ]، يعني الظلمات والنور تعادل خلق السماوات والأرض .
لذلك : [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ]، ويقول ربنا عز وجل : [وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ].(سورة النور : من الآية 40)
فحينما ينقطع الإنسان عن مصدر النور لا يمكن أن يكون مستنيرا ، لابد أن يخطئ ، ولابد أن يشقى ، ولابد أن يهلك ، ولابد أن تزل قدمه ، وأن يعتدي ، وأن يعتدَى عليه ، هذه طبيعة الظلام ، هذه طبيعة البعد عن الله عز وجل .
آية رابعة : [هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا].(سورة الأحزاب : الآية 43)
فيمكن أن نقول : إن الناس رجلان ؛ مستنير وأعمى ، موصول مستنير ، ومقطوع أعمى ، المستنير يعرف ما ينبغي أن يفعل ، إنه يسير على طريق عريضة ، ونوره الوضَّاء يكشف له جوانب الطريق ، والمقطوع عن الله عز وجل في ظلام دامس ، يخبط خبط عشواء ، [وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ].(سورة النور : من الآية 40)ويقول تعالى: [أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ].(سورة الزمر : الآية 22)
أنت مستنير بنور الله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((... الصَّلاَةُ نُورٌ ... )) .[مسلم(223)، الترمذي(3517) ،أحمد(22953) عن أبي مالك الأشعري]
قال عزوجل : ]إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[.[العنكبوت : من الآية 45]لماذا تنهى عن الفحشاء والمنكر ؟ أنت إذا رأيت حشرة سامة مخيفة قاتلة ، ورأيتها بعينيك عن طريق نور وضاء كشاف ، هل يعقل أن تقترب منها ؟ ما الذي جعلك تبتعد عنها ؟ هو ذلك النور الذي جعلك ترى حقيقتها ، فلذلك يقول عز وجل: ]أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ[.(سورة الرعد : الآية 19)
الحقيقة أن الإنسان حينما يكون حكيما في علاقاته ، وفي حياته ، فالحكمة مبعثها النور ، وحينما يكون أحمق في علاقاته ، وفي حياته ، هذا الحمق ، وهذا الضلال مبعثه الظلمة ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) .[الترمذي(3270) ، واللفظ له ، وأبو داود عن أبي هريرة(5116)]
البر التقي مستنير ، والفاجر الشقي في عمى ، وفي ظلام شديد ، ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[، أي لا توجد جهة في الكون يمكن أن تلقي لك نورا يريك الخير خيرا ، والشر شرا إلا الله ، ]وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ[.وهذا النور الذي تتحدث الآية عنه إنما هو النور الذي نقتبسه من الله عز وجل في أثناء الصلوات ، لذلك : ((... الصَّلاَةُ نُورٌ ... )) .
على كل ؛ هذه الآية إذا أردنا أن نفسرها في ضوء المعطيات الحديثة ، وفي ضوء العلم الحديث في بعض النظريات الحديثة جداً في الفيزياء ، إشارة إلى أن الطاقة يمكن أن تتحول إلى ضوء ، وأن الضوء أساسه المادة ، لذلك هذه المواد المشعة إذا استمرت في إشعاعها تنقص كتلتها ، فالجسم إذا سار بسرعة الضوء صار ضوءًا ، والذي يعرفه الطلاب الذين يدرسون الفيزياء والكيمياء أن المادة مؤلفة من نواة ، ومن كهارب ، فإذا حطمت كانت إشعاع ، وهذا الإشعاع يستهلك كتلة المادة ، فالمادة يمكن أن تكون نورا ، فهذا الكون العظيم هو من خلق الله عز وجل ، هو من نور الله عز وجل .
لذلك : ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[، هذه النظرية النسبية التي تقول : إن الزمن هو البعد الرابع للأشياء تعني أن الزمن له علاقة بالحركة ، والحركة إذا زادت عن حد معين تجعل هذا الجسم نورا صرفا ، لذلك يكون نور الكون كله مبعثه نور الله عز وجل ، فهذه الآية يمكن أن تفسر في ضوء المعطيات العلمية الحديثة بشكل دقيق جدا على شيء مبسط ، مصباح الزيت ، هذا الزيت يصبح في النهاية نورا ، فتيل الزيت يضيء ، ويبدد الظلام على حساب هذه الكمية من الزيت ، فإذا انتهى الزيت انتهى النور ، كيف تحولت هذه الكمية من الزيت إلى نور؟
إذا قلنا: ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[، أي أن الله سبحانه وتعالى هو موجد السماوات والأرض ، وهو منور السماوات والأرض ، لكن الآية في بعض معانيها تشير إلى أن العلم نور ، أي أن الإنسان أحيانا حينما يجري عملية جراحية الطبيب يكون قد درس دراسة مفصلة كل مراحل العملية ، كيف يخدر المريض ، كيف يفتح البطن ، كيف يغلق الشرايين ، كيف يبدأ بشق المكان ، كيف يستأصل المنطقة المرضية ، فهذه المراحل الدقيقة التي يجريها الطبيب كيف عرفها ؟ بالعلم فكأن العلم الذي تعلمه نور يكشف له طريقه في إجراء العملية ، لذلك قالوا : العلم نور ، فالإنسان العالم مستنير ، هذه المعاني كلها بدءًا من المعاني المادية ، إلى المعاني المجازية ، إلى تلك المعاني الروحية كلها آيات دالة على ذاته ، وعلى وحدانيته ، وعلى أسمائه الحسنى ، وعلى آياته الفضلى ، فكأن الآيات الكونية والقرآنية بشكل أو بآخر نور أنزله الله في الإنسان ، الإنسان لولا النور الإلهي كيف يهتدي ، وكيف ينطلق في طريقه ، وكيف يعرف الخير خيرا ، والشر شرا .
يقول ربنا سبحانه وتعالى : ]أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[.(سورة الأنعام : الآية 122)كان ميتا ، والله الذي لا إله إلا هو هذا الذي لا يعرف الله عز وجل ، ولا يتصل به هذا في حكم الميت ، وفي هذا يقول بعض الشعراء :
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
هذا الذي يمتلأ حيوية ونشاطا ، ولكنه مقطوع عن الله عز وجل ، هذا في حكم الميت ،لذلك سيدنا علي يقول : (يا بني العلم خير من المال ، فإن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، مات خزان المال ، وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة)[حلية الأولياء (1/79-80)]
إذا العلم هو الذي يشيع في الحياة السعادة ، بسبب أن العالم مستنير بنور الله ، يفعل ما أمر الله ، ويجتنب ما نهى عنه الله ، وبذلك يقبل عليه فيسعد ، فعلى كل مسلم أن يكون عالماً بأوامر الله ، ونواهيه ، بحكمته ، بقرآنه ، بتفسير كتابه ، بأحكام شرعه ، وهكذا ، ]أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا[.(سورة الأنعام : من الآية 122)
وفي آية أخرى يقول الله عز وجل : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[ .(سورة الأنفال : من الآية 29)
والفرقان نور تفرقون به الخير من الشر ، وفي آية أخيرة في الآيات التي تتبع هذه الآية : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ[ .(سورة الحديد : من الآية 28)
أيْ في الدنيا ، وكفل في الآخرة ، يضمن لكم دنيا تسعدون بها ، ويضمن لكم آخرة تسعدون بها إلى الأبد ، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ[، فالذي يعرف الله عز وجل يعرفه عن طريق الاتصال به ، ويعرفه من خلال شرعه ، هذا له في كل مقام موقف ، له في كل عرض موقف ، له مع كل ضغط موقف ، له مع كل إغراء موقف ، له في علاقته موقف ، هذا الموقف نابع من رؤيته الصحيحة التي تنور بها من قبل الله عز وجل ، أحيانا يقولون : فلان نور الحي ، أي كل من زاره ، وعرض عليه مشكلة أشار عليه بالخير ، ووجهه الوجهة الصحيحة ، ودلّه على الطريق الصحيح ، علمه الحكمة البالغة ، فهذا الإنسان بوعيه ، وإدراكه ، واستنارة قلبه ، واتزانه ، واتصاله بالله عز وجل صار في هذا الحي نورا .
لذلك الأنبياء نوروا مجتمعاتهم بالحق ، والفضيلة ، والمنهج ، والله سبحانه وتعالى منبع هذا النور ، ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[، موضوع النور الإلهي ربما يأتي في آيات كثيرة مقترنا بتقوى الله سبحانه وتعالى يقول : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ .(سورة البقرة : الآية 183)
الآن آيات التقوى لها علاقة وشيجة بآية النور ، متى يتقي الإنسان ؟ متى يتقي الخطأ ؟ متى يتقي الشر ؟ متى يتقي المعصية ؟ متى يتقي الموقف اللاأخلاقي ؟ متى يتقي ألا يأكل ما ليس له ؟ متى يتقي أن يعتدي على أعراض الناس ؟ متى يتقي ذلك ؟ إذا كان مستنيرا ، لذلك أكثر آيات التقوى تقترن بآيات النور ، فالصيام من أجل التقوى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ .(سورة البقرة : الآية 183)
الآن نحن بحاجة إلى بيان مراحل دقيقة لوصول الإنسان لهذا النور، الإنسان في الأساس كائن فيه شهوات ، وفيه رغبات ، وفيه مطامح ، وفيه صراعات ، وفيه دوافع ، وفيه حوافز ، الإنسان أعقد ما في الكون ، أودع الله فيه شهوة جنسية ، وفي الطريق نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ، وظروف الزنى متاحة ، والظروف متاحة لأي انحراف أخلاقي ، ويوجد اختلاط ، وأودع في نفسه حب المال ، ويوجد أموال ، يمكن أن تؤكل حراما ، ويمكن أن تؤخذ عدوانا ، يمكن أن تؤخذ اختلاسا ، يمكن أن تؤخذ سرقة ، يمكن أن تؤخذ غشا وخداعا ، فأودع فيه حب المال وحب المرأة ، والمرأة والمال متاحان للناس ، فكيف يستطيع الإنسان أن يتقي الله ؟ كيف يستطيع أن يقاوم هذه الإغراءات ؟ وكيف يستطيع أن يستجيب لله خالق السموات والأرض ؟ الأساس في اكتساب هذا النور أن ينهج الإنسان المنهج التالي :
أولا: لابد أن يفكر في خلق السموات والأرض ، لأنه إذا فكر في خلق السموات والأرض ، وتوصل من خلال البحث الدقيق البحث الذاتي إلى أن لهذا الكون خالقا عظيما ، ربنا عز وجل يأمرنا ، ويقول : ]انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ[ .(سورة يونس : الآية 101)
ويقول: ]فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ[.(سورة عبس : الآية 24)
ويقول : ]فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ*خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ[ .(سورة الطارق : الآيات 5-6)
ويقول : [أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ].(سورة الغاشية : الآيات 17-20)
هذا النظر ، وهذا التدقيق ، وهذا التأمل ، وهذا التفكر في خلق الإنسان ، في أعضائه ، في أجهزته ، في يديه ، في رجليه ، في سمعه ، في بصره ، في أنفه ، في دماغه ، في معدته في أمعائه ، لو فكر الإنسان في المريء ، فقط لو أن الإنسان علق من رجليه ، وأُعطي كأسا من الماء ، وشربه يصعد الماء نحو الأعلى بخلاف الجاذبية ، كيف أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، كيف أنه سبحانه وتعالى زود المريء بعضلات دائرية ، تنقبض تباعا ، حيث تنقل الطعام والشراب إلى الأعلى ، فيما لو كان الإنسان متجها نحو الأسفل ، أليست هذه آية ؟ أليس هذا البلعوم الذي يعمل ثمانين عاما دون كلل أو ملل ، ليلا ونهارا ، يغلق الطريق بإحكام ، يغلق المريء بإحكام في أثناء التنفس ، هذا التفكر ينقله بالتدريج إلى قناعة تامة أكيدة قطيعة إلى أن لهذا الكون إلها عظيما ، الإنسان يسأل هذا السؤال : هذا الإله العظيم الذي خلق الكون لماذا خلقه ؟ بعضهم يقول : خلقنا ليعذبنا ، وهذا محض افتراء على الله عز وجل الله ، وهو الذي يقول : [إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ].(سورة هود : من الآية 119)
الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليرحمه ويسعده ، فالإنسان إذا توصل من خلال بحث دقيق ذاتي إلى أن لهذا الكون إلها عظيما ، له أسماء حسنى ، وصفات فضلى ، فلابد أن يسأل هذا السؤال : لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ إذا عرفت من خلال التأمل ، ومن خلال القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى خلقك ليسعدك ، وما جاء بك إلى هذه الدنيا إلا لتستعد بدخول جنة عرضها السموات والأرض ، عندها تعرف طبيعة الحياة الدنيا ، وتعرف أن لهذا الإله العظيم شرعاً لابد أن تطبقه ، فإن طبقته شعرت بثقة عارمة أن الله راض عنك ، فإن شعرت أن الله راض عنك أقبلت عليه ، فإن أقبلت عليه ألقى في قلبك نورًا ، فكان هذا النور فرقانًا لك بين الحق والباطل ، والخير والشر ، وهذا النور الذي وصفه النبي بقوله (...الصَّلاَةُ نُورٌ...)) .
يأتيك في أثناء الصلاة ، فكلما استقمت قبل الصلاة ، وأحكمت علاقتك مع غيرك قبل الصلاة جاءت الصلاة عروجا للمؤمن ، فالله سبحانه وتعالى جعل الصلاة قرباً ، يقول تعالى : [كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ].(سورة العلق : الآية 19)
وجعل الصلاة ذكرا : ]وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي[ .(سورة طه : من الآية 14)
وجعل الصلاة وعيا ، قال تعالى : ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ[ .(سورة النساء : من الآية 43).
وجعل الصلاة مناجاة ،فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى)).[البخاري(508)]
وجعل الصلاة عروجا ، قال عليه الصلاة والسلام : ((الصَّلاَةُ مِعْرَاجُ الْمُؤْمِنِ)) .[شرح سنن ابن ماجه(1/313)]
الصلاة هي الفرض الإسلامي الذي لا يسقط ، بخلاف حال الصيام ، فقد يسقط عن المريض أو المسافر ، والحج قد يسقط على من لا يستطيع ، والزكاة تسقط على من لا يملك النصاب ، ولكن الصلاة لا تسقط بحال ، لذلك قالوا : الصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل أن يقذف الله في قلبك نورًا ترى به الخير خيرا ، والشر شرا ، والصلاة من أجل أن يكون الله نور السموات والأرض ، أن يكون لك نور تهتدي بهديه ، لأن الشيطان ينقل الإنسان من النور إلى الظلمات ، لكن الرحمن سبحانه وتعالى ينقل الإنسان من الظلمات إلى النور .
لذلك فالإنسان حينما يجلس مع ربه جلسة ، ويفكر في خلق السموات والأرض تمتلئ نفسه عظمةً لله عز وجل ، وخشية له ، وتوقيراً لجنابه ، عندئذ تندفع إلى طاعته ، وتطبيق أمره ، والبعد عن نهيه ، إذا أطعته ، وطبقت أمره ، وابتعدت عن نهيه أقبلت عليه ، فإذا أقبلت عليه قذف الله في هذه النفس نورًا ، وهذه حقيقة التقوى .
لذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ].(سورة الحشر: من الآية 18)أي أن التقوى مرتبة فوق الإيمان ، بل إن الإيمان درجات : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ].[النساء: من الآية 136]]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ[ ، والتقوى درجات ، قال عزوجل : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] .(سورة آل عمران : الآية 102)هذه الآية التي جاءت في سورة النور هي القرآن كله ، لأن القرآن كله نور ، في هذا البيان بيان خلق السموات والأرض ، وتوجيه الإنسان إلى بعض الحقائق ، بيان ما حل بالأقوام السابقة ، بيان ما سيكون مما أنبأ به القرآن الكريم ، رسم المنهج الدقيق في العلاقات الاجتماعية ، أحكام البيوع ، أحكام الزواج ، أحكام الطلاق ، أحكام الميراث ، هذا القرآن كله نور ، بمعنى أنه علم ، وإذا أقبلت على الله عز وجل قذف الله في قلبك نورًا ، النور الإلهي الذي تفرق به بين الخير والشر ، لذلك كانت هذه الآية التي في سورة النور : ]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[.فإما أن تكون على شيء من نور إلهي يهديك سواء السبيل ، وإما أن يكون الإنسان ضالا مضل .
أيها الإخوة الأكارم ، الإنسان عنده شرع ، ونور في قلبه ، لو فرضنا أن النور لم يكن متألقا كما يجب ، فهناك حدود حدها الإسلام ، حينما يدرس الإنسان الشريعة يعرف أن هذا حلال ، وهذا حرام ، هذا واجب هذا فرض ، هذا مندوب ، هذا مستحب ، هذا مكروه ، فكل شيء في الأرض لابد أن ينطبق عليه حكم من الأحكام الشرعية ، فالإنسان إذا أقبل على الله عز وجل نشأت عنده أذواق ، وهذه الأذواق تتطابق مع أحكام الشرع ، وما ينهى عنه الشرع يترفع المؤمن عنه ، يترفع من باب أن الله عز وجل ألقى في قلبه النور ، فرأى ما فيه من انحراف ، وانحطاط ، ترفع عنه ، فأنت إما أن تنصاع للشرع ، وتعرف أحكامه التفصيلية ، وإما أن تقبل على الله عز وجل فيلقي في قلبك النور ، هذا الشيء مجرب ، فالإنسان أحيانا يبتعد عن شيء ، ولم يبلغ علمه أن هذا الشيء محرم ، ولكن من قبيل الذوق والنور الذي ألقاه الله في قلبه لذلك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)) ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ لِلْمُتَفَرِّسِينَ.[الترمذي(3127)]
نحن هذا الذي يلقيه الله في قلب الإنسان لابد أن يقابله شرع منضبط تمام الانضباط ، الشيء الذي تحبه إذا كنت مستنيرا يؤكده الشرع ، والشيء الذي تكرهه إذا كنت مستنيرا يؤكده الشرع ، إذاً هناك شرع فيه تقنين لكل العلاقات ، وكل الحالات ، وهناك اتصال بالله عز وجل ، هذا الاتصال إذا تكامل بالاتصال مع العلم بحقيقة الشرع كان الإنسان قد جمع المجد من طرفيه .
على كل ، نحن نريد في هذه الآية أن يكون للإنسان صلة بالله عز وجل ، هذه الصلة لا يعرفها إلا من ذاقها ، بالاتصال بالله تكون في عين الله ، أنت في حفظ الله ، أنت في رعاية الله ، وكأن الله سبحانه وتعالى ينور لك الطريق فترى به ملابسات هذه الطريق ، ويمحو به وحشة الحياة ...
]اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ[، ما هي المشكاة ؟ هي كوة في حائط ، وبعضهم قال : هي كصدر المؤمن ، كوة في حائط ، كوة غير نافذة ، النافذة نافذة ، لكن المشكاة نافذة غير نافذة ، يعني كوة ، أيْ حفرة في حائط ، وبعض علماء التفسير قالوا : هي صدر المؤمن ، ]مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ[، فيها مصباح متألق ، هذا المصباح في زجاجة ، هذه الزجاجة كأنها كوكب دري .
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى سوف نفصل في هذا التشبيه الرائع الذي مثل الله نوره ، وهو في صدر المؤمن ، كأنه كوكب دري ، يوقد من شجرة مباركة ، زيتونة لا شرقية ولا غربية ، وماذا يعني ربنا سبحانه وتعالى بأن هذه الشجرة لا شرقية ولا غربية ، هذا أيضا نتناوله في درس قادم إن شاء الله تعالى .
والحمد لله رب العالمين

~~~~~~~~~~~~~~~~
اللهم اجعل في قلوبنا نورا وفي لساننا نورا وفي سمعنا نورا وفي بصرنا نورا
واجعل من فوقنا نورا ومن تحتنا نورا ومن خلفنا نورا ومن أمامنا نورا
وعن يميننا نورا وعن شمالنا نورا وأعظم لنا نورا
اللهم آميــــــــــــــــن
~
~~~~~~~~~~~~

Admin
Admin

المساهمات : 24
تاريخ التسجيل : 19/06/2011

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmadgo.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى